النجوم يتحدون في قرطاج: ليلة وطنية استثنائية بأصوات تونسية أصيلة

لا يختلف اثنان حول النغمة التونسية الأصيلة وقربها من الأذن، فهي، قبل كل شيء، التعبير الأقرب عن هوية الوطن وروحه. من هذا المبدأ صيغت السهرة التونسية التي أمنتها موسيقياً الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، وقدم فيها كوكبة من الفنانين أجمل أغانيهم الخاصة، إلى جانب أغانٍ من التراث الوطني الخالد، في توليفة جمعت بين الأصالة والمعاصرة، وبين الأصوات المخضرمة والأصوات الشابة.

الزي الموّحد للفرقة الموسيقية بالأبيض والأحمر كان تعبيراً واضحاً عن احتفاء رسمي بالوطن في عيده، فيما بلغ الأداء الموسيقي حدود الكمال، حيث كانت التنقلات بين المقامات والأنماط الموسيقية سلسة ومتقنة، تعكس سنوات من التدريب والانضباط، وتؤكد مكانة الفرقة الوطنية كأحد أبرز ركائز المشهد الموسيقي التونسي.

افتتحت سهرة "وطن بِحُب العاشقين" بنشيد من الكورال بعنوان "بلادي عرين الأسود"، واختتمت به أيضاً، في تكوين دائري يحمل دلالة عميقة، مفادها أن الوطن هو المبتدأ وهو المنتهى، وأن كل الألحان والنغمات التي قيلت في المنتصف لم تكن سوى تفاصيل في سيرة هذا العشق المتجدد. كان النشيد بمثابة إعلان ولاء وتجديد بيعة، كأنما يقول الجميع: نحن من الوطن وإليه نعود، وبين البداية والنهاية نعيش لحظات الفرح والفخر.

أما بقية السهرة، فيمكن تقسيمها إلى جزأين متكاملين. الجزء الأول خُصص للمطربين الذين لهم تاريخ في المشهد الموسيقي التونسي، وقدموا الكثير له، وأسسوا لقاعدة جماهيرية عريضة من خلال أغانٍ بقيت محفورة في الذاكرة الجماعية. على رأسهم الفنانة علياء، التي غنت من إنتاجها الخاص "هبت نسمة شالها" و"لا تعزم"، بأدائها العاطفي الذي يمسّ الوجدان. والفنان غازي العيادي، الذي قدم من رصيده الفني أجمل أغانيه، نذكر من بينها "بعترفلك"، "حبيت زماني"، "عالعين"، و"لات الزين"، في لوحة غنائية تنوعت بين العاطفي والمرح، وبين الكلاسيكي والشعبي. كما أطلت الفنانة شهرزاد هلال، التي غنت "لاموني الناس"، "خلينا أصحاب"، و"يا حسرة عليك"، بأدائها الشجيّ الذي يأخذ الجمهور إلى عوالم الحنين والشجن. أما الفنان سفيان الزايدي، فقدم أغنيته الخاصة "خمسة سنين"، إلى جانب كوكتال من الغناء الصوفي التونسي الذي تفاعل معه الجمهور بحماس، وتماوجت الأجواء بين الروحانية والبهجة.

أما الجزء الثاني من السهرة، فكان احتفاءً بالمدونة الموسيقية التونسية النسائية الخالدة، حيث غنت كل من وفاء عباس، ملكة الشارني، ومريم نور الدين، أجمل ما في التراث الغنائي التونسي للفنانات الرائدات: صليحة، علية، نعمة، وسلاف. شنّفن مسامعنا بأعذب الألحان، نذكر من بينها "عرضوني زوز صبايا"، "شرقْ غدا بالزين"، "آه يا خليلة"، "عليّ جرى"، و"حليلي وي"، وغيرها من الروائع التي توارثتها الأجيال وظلت حاضرة في المناسبات والأفراح. أداء هؤلاء الفنانات الشابات كان بمثابة جسر بين الماضي الجميل والحاضر المشرق، وأثبتن أن التراث التونسي ليس مجرد أغنيات قديمة، بل هو نبع متجدد يفيض بالإبداع كلما اقتربت منه أنامل مبدعة.

سهرة الفن التونسي من أبرز سهرات مهرجان قرطاج الدولي، وأكثرها قرباً من المواطن التونسي، لعدة اعتبارات، لعل أهمها تثمين الطبوع التونسية، والاحتفاء بالفنان التونسي، وإبراز إنتاجه الموسيقي. في هذه السهرة، كانت ترنيمة عشق همست في أذن كل من حضر، لعلنا نبني بالحب وطناً أجمل، ولتظل هذه الليلة علامة فارقة في تاريخ المهرجان، تعيد التذكير بأن الفن هو اللغة الأكثر قدرة على توحيد القلوب، وأن الأغنية التونسية، بكل تنوعها وغناها، تبقى العنوان الأبرز للانتماء والهوية.

Sat Lights

شارك في نشرتنا الاخبارية واحصل على صور حصرية & ورسالتين اخباريتين كل شهر