في افتتاح دورتها الحادية عشرة  أيام قرطاج الموسيقية يكرّس حق الجميع في الثقافة ويحتفي بالموسيقى التونسية 

وجاء حفل الافتتاح في صيغة احتفالية اتسمت بالبساطة، مع اعتماد سينوغرافيا قائمة على الألوان وتوزيع العناصر البصرية على الركح. وانقسم البرنامج إلى قسم أول تضمن كلمات افتتاحية ولوحات فنية قصيرة، وقسم ثانٍ خصص لعرض  "دندري" بقيادة محمد الخشناوي.

واختار المهرجان أن يفتتح دورته الحادية عشرة بلغة الإشارة، من خلال فقرة امتدت لنحو دقيقتين، في حضور الجمهور وفي صمت كامل، قبل أن تتواصل فقرات الحفل بالترجمة إلى لغة الإشارة.

وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه المهرجان نحو تكريس حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى الثقافة، بالشراكة مع جمعية "إبصار".

 وشاركت صابرين صانصا كريم بن عمر في تقديم حفل الافتتاح، من خلال ترجمة النص المنطوق إلى لغة بصرية.

كما تم توجيه دعوات حضور مكتوبة بطريقة "براي" إلى عدد من الضيوف من ذوي الإعاقة البصرية، في حين استفاد بعض الحاضرين من أجهزة للوصف الصوتي تتيح متابعة تفاصيل ما يجري على الركح.

وفي هذا السياق أكد المدير الفني لأيام قرطاج الموسيقية منذر الفلاح أن الإدماج والدفاع عن حق الجميع في الثقافة يمثلان أحد محاور الدورة الحالية، معتبراً أن تعميم مثل هذه المبادرات في المهرجانات التابعة لوزارة الشؤون الثقافية من شأنه أن يوسع دائرة المستفيدين من الفعل الثقافي.

كما اعتبر الفلاح أن الموسيقى فعل حياة وإبداع، وأن أيام قرطاج الموسيقية تسعى إلى توفير فضاء للحوار والتجريب والدفاع عن المشاريع الموسيقية المختلفة.

وأشار إلى أن الدورة الحادية عشرة تتضمن أقساما جديدة إلى جانب مجموعة من العروض، فضلا عن اختيار ثلاثة عروض شبابية تونسية ستتم برمجتها لاحقا ضمن مهرجانات في الجهات، في إطار توسيع إشعاع أيام قرطاج الموسيقية خارج العاصمة وخارج فترة انعقاد المهرجان.

وضمن فقرات الافتتاح، قدم الفنان نصر الدين الشبلي عرضا إيقاعيا استند إلى عدد من عناصر الموسيقى الشعبية التونسية، بحضور مجموعة من الراقصين.

وانطلق العرض من وسط الجمهور بصوت الطبل والمزود، قبل أن تتطور اللوحة الإيقاعية على الركح من خلال تفاعل الآلات الإيقاعية مع الحركة الجسدية والخطوة التونسية.

وسعى العرض إلى تقديم قراءة فنية لبعض مكونات الموروث الموسيقي الشعبي التونسي، من خلال الإيقاع والحركة، واستحضار تعبيرات جسدية متوارثة.

وخُصصت إحدى فقرات الافتتاح لتجربة شخصية استعاد من خلالها عازف الناي أحمد ليتيّم علاقته بوالده الذي توفي قبل نحو سنة ونصف بعد معاناة مع مرض الزهايمر.

وتحدث اليتيم عن والده الذي كان أول من رافقه إلى دروس الموسيقى، وشجعه على مواصلة تجربته الفنية، كما حضر مشاركاته في أيام قرطاج الموسيقية سنتي 2015 و2021.

واستعاد اليتيم علاقة والده بالموسيقى، وخاصة بموسيقى محمد عبد الوهاب، مشيرا إلى أن المرض أخذ منه تدريجيا القدرة على تذكر الملامح والأسماء والتفاصيل، فيما ظلت الموسيقى قادرة على الوصول إليه واستثارة شيء من ذاكرته.

وفي حديثه عن هذه التجربة، اعتبر أحمد اليتيم أن الموسيقى يمكن أن تكون بلسما ومصدرا للمواساة، داعيا العائلات التي يعيش أحد أفرادها تجربة الزهايمر إلى مواصلة الاستماع إلى الموسيقى التي أحبها المرضى، لما يمكن أن تمثله من رابط مع الذاكرة.

وترجم اليتيم تجربته في أداء موسيقي على الناي، من خلال أغنية "الليل يا ليلى"، بمرافقة عازف الغيتار أيمن بن عطية، في فقرة جمعت بين الموسيقى والذاكرة الشخصية.

واستحضرت أيام  قرطاج الموسيقية الفنان  الراحل ياسر الجرادي ضمن فقرات الافتتاح، من خلال عرض جمع بين البيانو والهارمونيكا، في سينوغرافيا تعزف على أوتار الذاكرة والحنين.

وخلق سامي بن سعيد وغيث الجويني حوارا موسيقيا بين الآلتين، وتسللت من بينها كلمات "نرجعلك ديما" في فقرة استحضرت تجربة الجرادي وأثره الفني. وتحدث غيث الجويني عن علاقته بالمسرح والموسيقى، مستعيدا تجاربه السابقة ضمن "أيام قرطاج المسرحية للسجون"، قبل أن يعود إلى الركح هذه المرة من خلال العزف على الهارمونيكا.

كما خصص المهرجان فقرة لتكريم ذاكرة الموسيقار الراحل محمد القرفي، من خلال عمل وثائقي أنجزه لطفي البحري، وتناول تجربة القرفي الموسيقية، وخاصة مشروع "زخارف عربية".

وتوقف العمل عند تجربة القرفي الذي جعل من الموسيقى فضاءً تلتقي فيه التقاليد بالكتابة الموسيقية المعاصرة. 

اختتم حفل الافتتاح بعرض "دندري" لمحمد الخشناوي، وهو مشروع موسيقي يشتغل عليه الفنان منذ سنوات، ويقترح قراءة معاصرة لموسيقى السطمبالي من خلال الجمع بين الآلات التقليدية والإلكترونية والإيقاعية.

واستند العرض إلى فضاء "الميدان"، باعتباره أحد الفضاءات المركزية في طقوس السطمبالي، وانطلق في استكشاف عدد من  المكونات الصوتية والإيقاعية والروحية لهذا التراث.

وضم العرض كل محمد الخشناوي على الدرامز، وصحبي بن مصطفى على الغيتار باص، وأيمن بن عطية على الغيتار، وكايل شافر على الكلافِييه ، ومحمد جويني في الغناء والعزف على القمبري والقمبرة، وحسان مشايخي في الكورال والشقاشق، وبلحسن ميهوب في الغناء و الشقاشق

واعتمدت المجموعة في الجانب البصري على تقنيات المابينغ، مع عرض صور مرتبطة برحلات "بوسعدية" من الصحراء الإفريقية إلى تونس، إلى جانب حضور واضح للألوان الترابية في ملابس الموسيقيين، في إحالة إلى الأرض والذاكرة والجذور.

كما تضمن العرض لوحات راقصة قدمها فنانون مختصون في السطمبالي، من بينهم العريفة شكري الجندوبي والكاجكا حياة بن خير، في محاولة للجمع بين الموسيقى والحركة واستحضار جوانب من الطقوس المتوارثة.

ويواصل "دندري" الاشتغال على موروث السطمبالي من خلال إعادة صياغة بعض عناصره داخل كتابة موسيقية معاصرة، تجمع بين الذاكرة الموسيقية والتجريب.

وتتواصل الرحلة في عوالم فنية مختلفة خلال اليوم الثاني من أيام قرطاج الموسيقية، عبر برنامج يفتح فضاء المهرجان أمام تجارب متنوعة من تونس وخارجها، ويواصل رهانه على التعدد والانفتاح على أشكال موسيقية وأساليب تعبير مختلفة.

Sat Lights

شارك في نشرتنا الاخبارية واحصل على صور حصرية & ورسالتين اخباريتين كل شهر