مفيدة فضيلة : سعيدة بنجاح المطبعة

 

هذا الفضاء، الذي كان يومًا مصنعًا للمعرفة، يتحول في المسلسل إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان حين يفقد اليقين الذي كان يستند إليه. ومن خلال الشخصيات، وخاصة شخصية نجيب، نقترب من الإنسان في لحظة انكسار، حين يكتشف متأخرًا أن الحياة التي عاشها لم تكن كما تخيّلها. إنها أيضًا مساحة تكشف تعب الإنسان التونسي، صراعه مع الواقع، ومحاولته المستمرة للحفاظ على كرامته رغم الانكسارات، حيث يجد نفسه فجأة في مواجهة أسئلة كبرى تتعلق بالمعنى والذاكرة والاختيارات التي صنعها في حياته.

ما يهمني في هذا العمل هو أنه لا يقدّم أحكامًا أخلاقية جاهزة، بل يضع الشخصيات أمام تناقضاتها ويترك للمشاهد حرية التأمل في مصائرها. لذلك يمكن قراءة المسلسل على مستويات متعددة: كحكاية إنسانية، وكمرآة لواقع اجتماعي معقّد، وكاستعارة عن بلد يعيش صراعًا مستمرًا بين الذاكرة والنسيان.

أردنا أن يكون المسلسل قريبًا من الحياة اليومية للناس، لكنه في الوقت نفسه يحمل نفسًا فنيًا خاصًا من حيث الصورة والإيقاع والرؤية. ما يهمني دائمًا هو أن يشعر المتفرج أن العمل لا يكتفي بتسلية لحظية، بل يترك أثرًا فكريًا وعاطفيًا يدعوه إلى التفكير بعد انتهاء كل حلقة.

لماذا اتحمستي لتنفيذ إنتاجه؟

تحمّست لتنفيذ إنتاج "المطبعة" لأنني شعرت منذ القراءة الأولى للنص أن المشروع يحمل ضرورة فنية حقيقية. نحن نعيش اليوم زمنًا سريعًا ومضطربًا، وغالبًا ما تميل الدراما التلفزيونية إلى السرد السهل والإيقاع المتسارع. لكن هذا النص كان مختلفًا؛ كان يحاول أن يبطئ الزمن قليلًا، وأن يقترب من الإنسان في تناقضاته وهشاشته، وأن يمنح المشاهد مساحة للتأمل بدل الاكتفاء بالتشويق السريع.

في تونس نعيش تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، وأعتقد أن الدراما يمكن أن تكون وسيلة لفهم هذه التحولات ومساءلتها. ما جذبني في هذا المشروع هو قدرته على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى أسئلة إنسانية أعمق تتعلق بالكرامة، وبمعنى العمل، وبالذاكرة الفردية والجماعية. فالشخصيات في "المطبعة" ليست أبطالًا تقليديين، بل بشر عاديون يواجهون اختيارات صعبة بين الأخلاق والضرورة، بين ما كانوا يحلمون به وما فرضه عليهم الواقع.

كمنتجة، ما يشغلني دائمًا هو الدفاع عن المشاريع التي تمتلك رؤية واضحة وتحترم ذكاء المشاهد. لذلك لا أرى الإنتاج مجرد إنجاز عمل تلفزيوني، بل مسؤولية ثقافية تقوم على دعم أعمال تحاول أن تعكس الواقع بصدق وأن تفتح نقاشًا حقيقيًا حول المجتمع الذي نعيش فيه.

شعرت أن من المهم الدفاع عن هذا النوع من المشاريع التي تحاول أن تفهم الإنسان قبل أن تحكم عليه. بالنسبة لي، "المطبعة" ينتمي إلى هذا النوع من الأعمال التي لا تسعى إلى تقديم إجابات جاهزة، بل تفتح مساحة لطرح الأسئلة والتأمل في تعقيدات الإنسان والواقع الذي يعيشه.

دورك كمنتجة في هذا العمل؟

الإنتاج بالنسبة لي ليس مجرد وظيفة تقنية مرتبطة بالتمويل أو التنظيم، بل هو دور إبداعي وثقافي. المنتج هو الشخص الذي يرافق المشروع منذ لحظة الفكرة الأولى، ويحمي رؤيته حتى يصل إلى الشاشة.

في "المطبعة" كان دوري يتمثل في بناء الإطار الذي يسمح للعمل بأن يحافظ على طموحه الفني. اشتغلنا منذ البداية على تطوير النص، وعلى اختيار فريق فني قادر على فهم روح المشروع. كما كان من المهم خلق توازن دقيق بين الطموح الجمالي للعمل وبين الواقع الإنتاجي للتلفزيون.

هذا العمل تطلّب مجهودًا كبيرًا من كامل الفريق، من ممثلين وتقنيين وكل من ساهم في إنجازه. وكانت ظروف التصوير أحيانًا صعبة ومضنية، سواء من حيث الإيقاع المكثف للعمل أو التحديات الإنتاجية التي رافقت التصوير. لكن ما جمعنا جميعًا كان الإيمان العميق بالمشروع وبالقصة التي نريد أن نحكيها. هذا الإيمان كان القوة التي جعلت كل فرد في الفريق يبذل أقصى ما لديه حتى يتحول النص إلى تجربة درامية صادقة على الشاشة.

المنتج في النهاية هو الجسر بين الفكرة والصورة. عليه أن يضمن أن الرؤية الفنية لا تضيع وسط التعقيدات الإنتاجية. وهذا ما حاولت أن أفعله في هذا المشروع: أن أخلق الظروف التي تسمح للعمل بأن يبقى صادقًا مع نفسه.

أنتِ كمخرجة لماذا دائمًا حريصة أنك تنتجي لمهدي؟

كمخرجة، ما يشغلني في السينما هو تلك المنطقة الدقيقة التي تلتقي فيها التجربة الشخصية بالأسئلة الكبرى التي يعيشها المجتمع. أحاول دائمًا أن أقترب من الشخصيات في لحظات هشاشتها وتحولها، وأن أشتغل على الإشارات الخفية التي تكشف ما لا يُقال في الحياة اليومية. بالنسبة لي، الصورة ليست مجرد وسيلة للسرد، بل فضاء للتفكير والإحساس، يمكن من خلاله الاقتراب من الإنسان ومن علاقته بالعالم.

في هذا السياق، كان العمل مع مهدي هميلي طبيعيًا بالنسبة لي، فهو من المخرجين الذين يمتلكون صوتًا سينمائيًا حقيقيًا ومتفردًا. فهو لا ينظر إلى الصورة كزينة جمالية فحسب، بل كوسيلة للتفكير في العالم وللاقتراب من الإنسان في تعقيداته. لديه قدرة لافتة على تحويل التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية إلى دراما عميقة تحمل بعدًا إنسانيًا وشعوريًا قويًا.

علاقتنا المهنية تقوم على حوار فني وثقة متبادلة. نحن نتقاسم نفس الإيمان بأن السينما والدراما يمكن أن تكونا مساحة للتأمل في الإنسان، وفضاءً للبحث والتجريب وطرح الأسئلة، وليس مجرد ترفيه عابر.

لذلك عندما أختار إنتاج أعماله، فأنا في الحقيقة أشارك في بناء مشروع فني نؤمن به معًا؛ مشروع يسعى إلى خلق لغة بصرية وسردية مختلفة داخل المشهد الدرامي، ويدافع عن سينما حرة وصادقة تلامس الإنسان في عمقه. بالنسبة لي، إنتاج أعماله هو أيضًا شكل من أشكال الدفاع عن رؤية فنية أؤمن بها.

من وجهة نظرك  الدراما التونسية كيف تصل  للوطن العربي؟

الدراما التونسية تمتلك طاقات إبداعية كبيرة على مستوى الكتابة والإخراج والتمثيل. لكن التحدي الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بجودة الأعمال، بل بقدرتها على الوصول إلى الجمهور العربي ضمن منظومة توزيع أكثر فاعلية.اليوم لم يعد الإنتاج وحده كافيًا؛ بل يجب التفكير منذ البداية في مسار العمل داخل السوق: كيف سيُعرض، وأين سيُوزَّع، وكيف يمكن أن يجد طريقه إلى المنصات والجمهور خارج الحدود.

قوة الدراما التونسية تكمن في خصوصيتها الثقافية وفي قدرتها على تقديم قصص تنطلق من واقع محلي غني، لكنها في الوقت نفسه تلامس أسئلة إنسانية مشتركة. وعندما يجتمع النص المتماسك مع رؤية إخراجية دقيقة وصناعة بصرية متقنة، يصبح العمل قادرًا على العبور إلى جمهور يتجاوز حدود اللهجة والجغرافيا.

كما أن تطوير الشراكات الإنتاجية مع بلدان عربية أخرى، والعمل مع موزعين ومنصات إقليمية، يمكن أن يفتح آفاقًا حقيقية لانتشار هذه الأعمال. فاليوم أصبحت المنصات الرقمية والأسواق المهنية فضاءات أساسية للتعريف بالمحتوى وتوسيع حضوره خارج الحدود الوطنية.

أنا مقتنعة بأن الدراما التونسية يمكن أن تصبح جزءًا مؤثرًا في المشهد الدرامي العربي، لأنها تحمل صوتًا مختلفًا وتجارب سردية تضيف تنوعًا وغنى إلى الإنتاج في المنطقة.

حدثينا عن ردود الفعل على المسلسل ؟

ردود الفعل كانت بالنسبة لي مهمة جدًا، لأنها كشفت أن العمل لم يمر مرورًا عابرًا. منذ عرض الحلقات الأولى، لاحظنا أن المسلسل أثار نقاشًا واسعًا بين المشاهدين، سواء حول الشخصيات أو حول الأسئلة التي يطرحها العمل. كثيرون تفاعلوا مع عالم "المطبعة" لأنه قريب من واقعهم، ولأن الشخصيات تعكس جزءًا من التحولات التي يعيشها المجتمع التونسي اليوم.

 اختياراتها وربطها بواقعهم وتجاربهم اليومية. هذا التفاعل أظهر أن العمل لم يُستقبل كحكاية عابرة، بل كمساحة للتفكير في الإنسان وفي التناقضات التي يعيشها.

كما لفت انتباهي أيضًا أن بعض القراءات ذهبت أبعد من متابعة الأحداث، لتتوقف عند الجانب الفني والجمالي للعمل. فقد لاحظت اهتمامًا من بعض المشاهدين بطريقة بناء الكادر وتكوين الصورة، وبالاشتغال على الضوء والجو البصري، وحتى بالإحالات الجمالية التي يمكن أن نجدها في تاريخ الفن. هذه القراءات الفنية بالنسبة لي كانت لافتة، لأنها تعكس حساسية لدى الجمهور تجاه اللغة البصرية للعمل، وتدل على أن الصورة يمكن أن تُقرأ وتُفكَّر مثلها مثل القصة نفسها.

هذا النوع من التفاعل يؤكد بالنسبة لي أن الدراما قادرة على أن تكون أكثر من مجرد متابعة يومية للحكاية؛ يمكنها أن تتحول إلى فضاء للتأمل والحوار، وإلى تجربة جمالية وفكرية يعيشها المشاهد ويعيد التفكير فيها بعد انتهاء الحلقة.

طبعًا كانت هناك أيضًا مختلفة، وهذا أمر طبيعي وصحي. بالنسبة لي، عندما يثير العمل النقاش ويجعل الناس تتحدث عنه وتختلف حوله، فهذا يعني أنه لامس شيئًا حقيقيًا. وفي النهاية، أهم ما يمكن أن يحققه أي عمل درامي هو أن يترك أثرًا لدى المشاهد، وأن يشعر الناس أن القصص التي يرونها على الشاشة تشبههم وتطرح أسئلتهم.

ما هو جديدك كمنتجة ومخرجة؟

أعمل حاليًا على عدة مشاريع بين السينما والتلفزيون، لأنني أؤمن أن لكل وسيط لغته الخاصة وإمكاناته المختلفة. من بينها فيلم «بنت الريح»، وهو فيلم من إخراجي وأشارك أيضًا في إنتاجه، ومشروع قريب جدًا من قلبي. يتتبع الفيلم حياة فتاة مراهقة تحاول أن تجد مكانها في مجتمع تحكمه تحولات وضغوط كثيرة. بطلة العمل ليست شخصية بطولية بالمعنى التقليدي، بل فتاة عادية تحمل في داخلها أسئلة عميقة عن الهوية وعن الاختيارات التي يصنعها الإنسان في لحظات التحول.

ومن خلال رحلة عائدة، يحاول الفيلم أن يلتقط لحظة دقيقة من حياة جيل كامل من الشباب: لحظة البحث عن الذات، وعن معنى الانطلاق، وعن إمكانية رسم طريق خاص وسط واقع معقّد ومتغير.

إلى جانب ذلك، أواصل عملي كمنتجة على عدة مشاريع سينمائية وتلفزيونية تهتم بقصص إنسانية عميقة وتنطلق من واقعنا المحلي، مع السعي إلى تطويرها ضمن مسارات إنتاج وتعاون دولية. كما أعمل أيضًا على تطوير نشاطي في مجال توزيع الأفلام، لأنني أؤمن بأن وصول الأعمال إلى الجمهور هو جزء أساسي من الحياة الحقيقية لأي فيلم، وأن التوزيع يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام السينما المستقلة ويمنحها فرصة اللقاء بجمهور أوسع داخل المنطقة وخارجها.

التعاون مع التلفزة الوطنية؟

التعاون مع التلفزة الوطنية كان بالنسبة لي تجربة مهمة جدًا، لأن التلفزة تبقى مؤسسة ثقافية أساسية في المشهد الإعلامي التونسي، ولها دور كبير في إيصال الأعمال الدرامية إلى جمهور واسع في مختلف أنحاء البلاد وخارجها. هذا النوع من التعاون يتيح للأعمال المحلية أن تجد فضاءً حقيقيًا للعرض وأن تصل إلى المشاهد التونسي في بيته.

في تجربة "المطبعة" كان هذا التعاون قائمًا على رغبة مشتركة في تقديم عمل درامي يحمل بعدًا فنيًا وإنسانيًا، وفي الوقت نفسه يبقى قريبًا من الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس. بالنسبة لي، من المهم أن تكون هناك شراكة حقيقية بين المبدعين والمؤسسات العمومية، لأن الدراما ليست مجرد صناعة ترفيهية، بل هي أيضًا مساحة للتعبير عن المجتمع، ومرآة تعكس أسئلته وتحولاته.

كما أعتقد أن دعم التلفزة الوطنية للإنتاج الدرامي المحلي يساهم في خلق ديناميكية جديدة داخل القطاع، ويمنح الفرصة لمشاريع تحمل رؤى مختلفة أن ترى النور. وعندما يلتقي الطموح الفني مع دعم المؤسسات، يمكن أن نخلق أعمالًا تبقى في ذاكرة الجمهور وتساهم في تطوير المشهد الدرامي في تونس، وتفتح له آفاقًا أوسى العربي والدولي.

Sat Lights

شارك في نشرتنا الاخبارية واحصل على صور حصرية & ورسالتين اخباريتين كل شهر