"رقصات من العالم" في قرطاج: حين تكون الأجساد جسوراً بين الثقافات والحضارات

على ركح قرطاج، كتبت ذاكرة أوروبا وحكايات آسيا وقصص شمال إفريقيا من خلال رقصات حملت المتلقي إلى عوالم مختلفة، وضربت موعداً مع السحر. كانت الأزياء موشاة بالألوان، والحركات والنقرات على الخشبة تختلف حسب نوع الرقصة وحكاياتها، ولكل حركة أو خطوة تعبير مختلف، ولكن جميعها تشترك في معنى الإدهاش. كانت السهرة بمثابة خريطة حية للعالم، حيث كل خطوة رقص كانت محطة في رحلة بصرية وروحية عبر القارات.

افتتحت السهرة مع فرقة أوبرا بكين برقصاتها القتالية وحركاتها البهلوانية، للإحالة على الصراعات بين الخير والشر منذ القديم. أغلب الراقصين يلبسون الأقنعة، والماكياج يغطي وجوههم، وتدل الألوان على طباع الشخصيات (الأحمر للشجاعة، الأسود للنزاهة، والأبيض للشر). كانت هذه البداية بمثابة إعلان عن سهرة تمزج بين الفن والتاريخ والفلسفة، حيث تتجلى حكمة الشرق في حركات تعود بنا إلى آلاف السنين.

ومن الصين إلى مونتينيغرو، تحديداً الفرقة الفنية والثقافية الأكاديمية الجبل الأسود، كانت حركة الراقصين رقيقة ودائرية، أما إيقاعاتهم الهادئة فقد حملت الجمهور إلى جولة في الطبيعة الخلابة في جبال البلقان. ثم تتغير الموسيقى وتصبح أكثر قوة، ليقدموا للجمهور رقصة "أورو" التقليدية، أو رقصة النسر كما تسمى، وتبدأ بشكل دائري بإيقاعاتها التقليدية وتنتهي عادة بتشكيل برج بشري في إحالة إلى معاني القوة. تميزت الأزياء بانحيازها لجوهر التراث، فكانت مزخرفة ومطرزة بالأحمر والأبيض والأسود، وعادة تصنع من الحرير، وأغلب الرقصات تحاكي التاريخ والطبيعة والوحدة.

بعدها، اعتلت فرقة Rising Sun من اليابان الركح والتقت بالجمهور التونسي، وقدمت رقصات "أوبون الصيفية" مستخدمين "التايكو" أو الطبل، وهو الآلة الأساسية في العرض. حضر "ناغادو-دايكو"، طبل طويل ومشهور، يُستخدم بكثرة في العروض والاحتفالات، وهو ما أضفى حماساً على الفرقة والجمهور. لليابان طقوس ورقصات عديدة، أشهرها "كابوكي" و"نيهون بويو"، وجميعها ذات طابع ديني وحضاري، تعكس عمق الثقافة اليابانية وانضباطها الفني.

وتتحول الحياة اليومية إلى إيقاعات: حركات الصيادين، جلسات النساء، ابتسامات الأطفال، حركة الموج وموسيقاه – كلها تفاصيل تصنع من مالطا لوحة من الرقصات الملتصقة باليومي. هذا بالضبط ما قدمته فرقة أوجيجيا للفنون الشعبية، إذ اصطحبت جمهور قرطاج إلى جولة ثقافية وتاريخية في دولة مالطا المتوسطية، وقدمت الرقصة الوطنية الأشهر "إيل-مالتيجا" التي تتميز بحركات متناسقة وإيقاعات حيوية، يعكس فيها الراقصون قصص الحب والتقاليد البحرية والريفية القديمة. وتتميز ملابسهم باعتماد التنانير النسائية الموشاة بأجمل الألوان والملابس الرجالية البيضاء.

ومن الهند، قدمت فرقة الفنون الشعبية الغوجاراتية رقصات استعراضية مذهلة، إذ في موسيقاهم الشعبية خصوصية وسحر لا ينتمي إلا إليهم، وحركاتهم السريعة على الخشبة خطفت انتباه الجمهور. ومن قرطاج التونسية إلى غوجاراتا الهندية، كتبت الأجساد أجمل القصص في رقصات مثل "غاربا" و"دانديا راس"، وكلتاهما من أقدم الرقصات وذات طابع حماسي فرح، تعكس غنى الثقافة الهندية وتنوعها.

من آسيا إلى إفريقيا، تنطلق الرحلة إلى جمهورية مصر العربية، حيث حضرت فرقة الجامعة الأمريكية بالقاهرة وقدمت رقصة "الملوية" الصوفية الشهيرة بحركة الدوران إلى حد الانتشاء، مع صوت يردد "مدد... مدد". ثم قدمت رقصة البحارة، مستحضرين جمال الإسكندرية وبورسعيد. كانت هذه الفقرة تكريماً للثقافة المصرية الغنية، واعترافاً بدورها في تشكيل الهوية الثقافية العربية.

ولتشمل إفريقيا مساحة من الفرحة، قدمت الفرقة الوطنية الشعبية الليبية مجموعة من اللوحات تحاكي الحياة البدوية، وقصص أهل النجع وقيم الشهامة المتوارثة، من خلال ضربات أقدام قوية على الركح تشبه تمسك أهل البادية بأرضهم. أغلب الرقصات كانت على موسيقى آلاتي المزود والطبل، وظهر الراقصون بلباس تقليدي تمثل في "الوزرة" الرجالية، كما طغى على اللوحة النسائية الخطوات التقليدية التي نراها في الأعراس.

من ليبيا والمزود إلى الجزائر وإيقاعات الشاوية، حيث التقى الجمهور بفرقة الديوان الوطني للثقافة بالجزائر التي قدمت الرقصة التقليدية "أشاور"، وفيها أبرزت جمال المرأة القبايلية، وحملت من خلال الملابس والحلي البعض من ثقافة البلاد. كما كانت رقصة الأكتاف "أداش" الرجالية تعج بطاقة فرح عالية وقدرة على التجانس بين الموسيقى وحركات الراقصين.

ومن الجزائر إلى جارتها المغرب، كان الموعد مع فرقة تيزويت العالمية التي احتفت بالموسيقى الأمازيغية وقدمت رقصة "النحلة" الشهيرة، وهي من أبرز رقصات الفرقة، وتعتمد على حركة واحدة وإيقاع منتظم بين الراقصين يحاكي حياة النحل، في تناغم يعكس انسجام الإنسان مع الطبيعة.

أما تونس، البلد المضيف، فقد قدمت الفرقة الوطنية للفنون الشعبية ثلاث لوحات. الأولى اسمها "محارم"، وهي رقصة نسائية احتفت بالمرأة المناضلة، حيث لغة الجسد تحكي بعضاً من سير النساء اللواتي سقين الأرض بالدم. وعلى إيقاعات المربع والربوخ والبونوارة، قدمت اللوحة الثانية "ربوخ"، وهي لوحة رجالية فيها الخطوات التقليدية. وفي اللوحة الأخيرة، كانت احتفالية جماعية بثقافة الحياة لدى البحارة والفلاحين، فالخطوة التونسية عنوان للجمال ولامتداد ثقافي وإرث حضاري ضارب في القدم.

تبقى سهرة فلكلورات من العالم، ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي، الموعد الثابت لتذوق فن مختلف البلدان وتراثهم، وهي فرصة للاكتشاف والاحتفاء بالمخزون الثقافي للشعوب. في هذه الليلة، أثبت الرقص أنه اللغة الأكثر قدرة على تجاوز الحدود، وأن الجسد حين يتحرك بإيقاع واحد، يروي قصصاً لا تحتاج إلى ترجمة، ويؤكد أن التنوع الثقافي ليس مصدراً للتباعد، بل هو نافذة على جمال الإنسانية في أبهى صورها.

Sat Lights

شارك في نشرتنا الاخبارية واحصل على صور حصرية & ورسالتين اخباريتين كل شهر